تخطَّ إلى المحتوى

الصفحة 7 من 347

الفصل الأول: قصة مركز مبصرون (3/17)

الظرف الثالث كان ضعف التمييز بين المستويات المختلفة للمعرفة. ففي الخطاب المتداول تختلط الآية بتفسيرها، والحديث بالرواية الشائعة، وكلام عالم برأي معالج، والملاحظة الفردية بحقيقة عامة. وحين تختلط هذه الطبقات يصبح من السهل أن ينسب صاحب رأي اجتهاده إلى الدين، أو أن يقدم تجربة علاجية بوصفها نتيجة علمية، أو أن يستخدم مصطلحًا مثل «الطاقة» وكأنه قياس فيزيائي متفق عليه. أراد مبصرون أن يبني لغته على الفصل بين هذه المستويات، حتى يستطيع القارئ والمراجع معرفة نوع كل عبارة ومقدار ما تحتمله.

أما الظرف الرابع فكان وجود أشخاص يصفون معاناة روحانية حتى بعد اللجوء إلى مسارات أخرى، أو لا يجدون أن التفسير المتاح يحيط بتجربتهم كلها. لا يعني ذلك أن الطب عجز أو أن السبب روحاني بالضرورة؛ فقد يكون التقييم غير مكتمل، أو العلاج في بدايته، أو المشكلة مركبة. لكنه يعني أن هناك حاجة إلى جهة تستطيع الاستماع إلى البعد الذي يراه الشخص روحانيًا من غير أن تنافس طبيبه، ومن غير أن تحول شعوره إلى شهادة قاطعة على وجود سبب غيبي.

في هذا السياق لم يكن تأسيس المركز - بحسب رؤيته - دعوة إلى إضافة معالج آخر إلى المجال، بل محاولة لتأسيس إطار. الإطار يحدد كيف تبدأ المقابلة، وما المعلومات التي تُجمع، ومتى تجب الإحالة، وما الذي يجوز قوله، وكيف تحفظ الخصوصية، وما معنى موافقة المراجع، وكيف تسجل النتيجة، وما الفرق بين العلاج الأساسي والخدمات المستقلة. هذه التفاصيل هي التي تحول الفكرة من مبادرة شخصية إلى هوية مركز يمكن مساءلتها وتطويرها.

نصّ الكتاب توعوي، وليس تشخيصًا ولا بديلًا عن الطبيب أو المختص النفسي. لا توقف دواءً ولا تؤجل علاجًا بسببه.