الصفحة 6 من 347
الفصل الأول: قصة مركز مبصرون (2/17)
لهذا فالقصة التي يرويها هذا الفصل ليست سيرة إدارية مؤرخة بالأيام والأسماء؛ فالمواد المتاحة لا تقدم مثل هذا السجل. إنها قصة تطور سؤال إلى رؤية، والرؤية إلى منهج، والمنهج إلى تخصص. وكلما احتاجت النسخة النهائية من الكتاب إلى تاريخ تأسيس أو أسماء مؤسسين أو محطات موثقة، ينبغي إضافتها من سجلات المركز لا من الذاكرة أو التخمين.
مفتاح القصة: نشأ مبصرون - وفق ما تعكسه وثائقه - من الحاجة إلى الجمع بين الإصغاء للتجربة، والتفريق بين الاحتمالات، ووضع حدود تمنع الخرافة والاستغلال وإهمال الرعاية الطبية.
١. الظروف التي مهّدت لنشأة المركز
الظرف الأول كان اتساع المسافة بين لغة الناس ولغة المؤسسات المتخصصة. فالمراجع قد يقول: أشعر أن طاقتي مسحوبة، أو أن خوفًا لا أعرف مصدره يلازمني، أو أنني تغيرت بعد واقعة معينة، أو أنني رأيت أحلامًا متكررة وربطتها بالسحر أو بالجن. هذه أوصاف لتجربة يعيشها صاحبها، لكنها ليست في ذاتها تشخيصًا. وعندما لا يجد الشخص من يساعده على ترجمة الوصف إلى أسئلة قابلة للفحص، قد يتحول إحساسه إلى يقين متعجل، ثم يبني عليه قرارات تمس صحته وعلاقاته وماله.
الظرف الثاني كان انتشار خطاب يجعل الخوف وسيلة للإقناع. يكفي أحيانًا أن يسمع الإنسان عبارات قطعية عن سحر أو مس أو عدو خفي حتى يعيد تفسير حياته كلها على هذا الأساس. وقد يوجهه الخوف إلى مشعوذ، أو يدفعه إلى اتهام قريب أو جار، أو يجعله يوقف دواءً، أو ينفق أموالًا متكررة طلبًا لخلاص سريع. رأى المركز أن ترك هذا الفراغ بلا خطاب بديل لا يحمي الناس؛ فالإنسان الخائف سيبحث غالبًا عمن يمنحه تفسيرًا، والمسؤولية أن يجد أمامه جهة تعترف بحدودها ولا تستثمر في ارتباكه.
نصّ الكتاب توعوي، وليس تشخيصًا ولا بديلًا عن الطبيب أو المختص النفسي. لا توقف دواءً ولا تؤجل علاجًا بسببه.