الصفحة 6 من 182
٣. الفجوة التي يحاول المركز سدها — الفصل الأول: قصة مركز مبصرون
٣. الفجوة التي يحاول المركز سدها
الفجوة التي رأى مبصرون أنه يستطيع العمل فيها ليست فجوة طبية؛ فالمركز لا يحل محل الطبيب ولا يملك أن يمنح تشخيصًا لمرض عضوي أو نفسي. وليست فجوة إفتاء؛ فالحكم الشرعي يرجع فيه إلى أهله. كما أنها ليست فجوة إثبات تجريبي مكتمل؛ فالخبرة المتراكمة تحتاج إلى أدوات توثيق وبحث لا تدعيها المواد الحالية. إنها فجوة في طريقة التعامل مع ملف يقع بين تجربة شخصية، ومعتقد ديني، وخوف اجتماعي، واحتياج علاجي.
أول عناصر هذه الفجوة هو غياب الاستقبال المنظم. الشخص الذي يصل وهو مقتنع مسبقًا بأنه مسحور يحتاج إلى أسئلة لا إلى تأكيد فوري: متى بدأت الأعراض؟ ما الفحوص التي أجراها؟ ما الأدوية التي يستعملها؟ هل تغير نومه أو ظروفه؟ هل توجد أفكار لإيذاء النفس أو الغير؟ هل تعرض لاستغلال أو تهديد؟ وما الذي يجعله يربط ما يشعر به بسبب روحاني؟ الاستقبال المنظم لا ينفي رؤيته، لكنه يمنع الرؤية من أن تصبح الحكم الوحيد قبل اكتمال المعلومات.
ثاني العناصر هو غياب لغة منضبطة. لذلك سعى المركز إلى تعريف مصطلحاته: ما المقصود بالكشف الروحاني في استعماله؟ وما المقصود بسحب القرين أو حبسه أو تحريره؟ ومتى تكون كلمة «الطاقة» مجرد وصف داخلي لنموذج المركز وليست كمية فيزيائية؟ وضع التعريف لا يثبت وجود الشيء، لكنه يمنع الغموض الذي يسمح لكل شخص أن يفهم اللفظ على طريقته.
ثالث العناصر هو غياب الحدود المهنية الواضحة في جزء من المجال. هذه المبادئ ليست زينة أخلاقية؛ بل هي جزء من سبب وجود المركز، لأن المنهج الذي لا يحمي طالب العلاج قد يعيد إنتاج المشكلة التي أُنشئ لمواجهتها.
رابع العناصر هو الفجوة بين التجربة والتوثيق. الخبرة الشفوية قد تكون صادقة، لكنها ضعيفة أمام المراجعة إذا لم تسجل حالتها قبل التدخل وبعده، وما العلاج الطبي المصاحب، وما المؤشر الذي تغير، وكم استمر التغير، وما البدائل الممكنة. وقد أقرت وثائق المركز بأن نشر حكايات غير موثقة لا يكفي، واقترحت تطوير شهادات تحمي هوية أصحابها، وملفات برموز، ومتابعة تسمح بتقييم النتائج. بهذا المعنى، لا يحاول مبصرون سد الفجوة بقصة أقوى، بل ببنية أوضح للتوثيق.
خامس العناصر هو غياب جهة تقبل أن تقول: لا نعرف. فالخطاب القطعي جذاب، لكنه قد يكون أخطر من الجهل المعلن. يحاول المركز أن يترك في منهجه مكانًا للإحالة، ولإعادة تقييم الفرضية، ولعدم الاستجابة، وللسؤال المفتوح. وإذا لم يشعر طالب العلاج بتحسن فلا يجوز قلب النتيجة إلى اتهام له، ولا افتراض سحر أقوى، ولا إنشاء سلسلة لا تنتهي من التدخلات. القدرة على إنهاء المسار أو تغييره جزء من سد الفجوة، لأنها تعيد للمراجع حقه في الاختيار.
الفجوة في عبارة واحدة: يحاول مبصرون بناء جسر منضبط بين شخص يصف تجربة روحانية وبين قرار مسؤول يحفظ الدين والعقل والصحة والكرامة، من غير أن يدّعي أن هذا الجسر بديل عن التخصصات الأخرى.
٤. تطور رؤية المركز عبر الملاحظة والتجربة
لا تقدم الوثائق المتاحة تواريخ تسمح برسم خط زمني دقيق، لكنها تكشف مسارًا فكريًا يمكن تتبعه. هذا المسار ليس دليلًا على صحة كل نتيجة وصل إليها المركز؛ وإنما يشرح كيف انتقل اهتمامه من مساحة واسعة إلى تخصص محدد، وكيف أضاف إلى رؤيته قواعد تشغيلية وأخلاقية مع تراكم الملاحظات.