الصفحة 5 من 347
الفصل الأول: قصة مركز مبصرون (1/17)
مدخل: حين يتحول السؤال إلى مشروع
لا تبدأ قصة مركز مبصرون من ادعاء امتلاك خريطة كاملة لعالم الغيب، ولا من اكتشاف واحد قُدِّم في لحظة فاصلة، وإنما تبدأ من سؤال تكرر بأشكال مختلفة: كيف يمكن التعامل مع إنسان يصف تجربة روحانية مؤلمة من غير أن يُسخر منه، ومن غير أن يُدفع إلى الخوف أو الاستغلال، ومن غير أن يُطلب منه إهمال الطب والعلاج النفسي؟ هذا السؤال هو أقرب نقطة يمكن منها فهم نشأة المركز؛ لأنه يكشف أن الحاجة لم تكن إلى تفسير جديد فحسب، بل إلى طريقة أكثر مسؤولية في الاستماع والتمييز والتدخل.
كان المجال الذي أراد مبصرون الاقتراب منه مزدحمًا بتفسيرات متعارضة. فهناك من يرد كل تجربة غير مألوفة إلى سبب روحاني بمجرد سماعها، وهناك من يرفضها قبل فهم ما يقوله صاحبها، وبين الطرفين يقف أشخاص خائفون لا يعرفون إلى من يتوجهون. بعضهم يحمل تشخيصًا طبيًا أو نفسيًا يحتاج إلى متابعة، وبعضهم لم يحصل بعد على تقييم متخصص، وبعضهم يفسر تغيرًا في مشاعره أو نومه أو طاقته أو علاقاته تفسيرًا روحانيًا. وقد تجتمع هذه الدوائر في حالة واحدة، فلا يكون من المسؤول اختزالها في سبب وحيد.
من هنا تشكلت الفكرة الأولى للمركز: إيجاد مساحة تستقبل هذا النوع من الحكايات بجدية إنسانية، ثم تضعه داخل منهج لا داخل سوق للخوف. والجدية هنا لا تعني تصديق كل تفسير يقدمه المراجع، كما لا تعني تكذيبه؛ بل تعني جمع المعلومات، وترك الاحتمالات مفتوحة في البداية، واحترام ما ثبت في الشرع، واحترام ما يقرره الطبيب أو المعالج النفسي في مجاله، ثم عرض اجتهاد المركز باسمه وحدوده.
نصّ الكتاب توعوي، وليس تشخيصًا ولا بديلًا عن الطبيب أو المختص النفسي. لا توقف دواءً ولا تؤجل علاجًا بسببه.