الصفحة 4 من 182
١. الظروف التي مهّدت لنشأة المركز — الفصل الأول: قصة مركز مبصرون
١. الظروف التي مهّدت لنشأة المركز
الظرف الأول كان اتساع المسافة بين لغة الناس ولغة المؤسسات المتخصصة. فالمراجع قد يقول: أشعر أن طاقتي مسحوبة، أو أن خوفًا لا أعرف مصدره يلازمني، أو أنني تغيرت بعد واقعة معينة، أو أنني رأيت أحلامًا متكررة وربطتها بالسحر أو بالجن. هذه أوصاف لتجربة يعيشها صاحبها، لكنها ليست في ذاتها تشخيصًا. وعندما لا يجد الشخص من يساعده على ترجمة الوصف إلى أسئلة قابلة للفحص، قد يتحول إحساسه إلى يقين متعجل، ثم يبني عليه قرارات تمس صحته وعلاقاته وماله.
الظرف الثاني كان انتشار خطاب يجعل الخوف وسيلة للإقناع. يكفي أحيانًا أن يسمع الإنسان عبارات قطعية عن سحر أو مس أو عدو خفي حتى يعيد تفسير حياته كلها على هذا الأساس. وقد يوجهه الخوف إلى مشعوذ، أو يدفعه إلى اتهام قريب أو جار، أو يجعله يوقف دواءً، أو ينفق أموالًا متكررة طلبًا لخلاص سريع. رأى المركز أن ترك هذا الفراغ بلا خطاب بديل لا يحمي الناس؛ فالإنسان الخائف سيبحث غالبًا عمن يمنحه تفسيرًا، والمسؤولية أن يجد أمامه جهة تعترف بحدودها ولا تستثمر في ارتباكه.
الظرف الثالث كان ضعف التمييز بين المستويات المختلفة للمعرفة. ففي الخطاب المتداول تختلط الآية بتفسيرها، والحديث بالرواية الشائعة، وكلام عالم برأي معالج، والملاحظة الفردية بحقيقة عامة. وحين تختلط هذه الطبقات يصبح من السهل أن ينسب صاحب رأي اجتهاده إلى الدين، أو أن يقدم تجربة علاجية بوصفها نتيجة علمية، أو أن يستخدم مصطلحًا مثل «الطاقة» وكأنه قياس فيزيائي متفق عليه. أراد مبصرون أن يبني لغته على الفصل بين هذه المستويات، حتى يستطيع القارئ والمراجع معرفة نوع كل عبارة ومقدار ما تحتمله.
أما الظرف الرابع فكان وجود أشخاص يصفون معاناة روحانية حتى بعد اللجوء إلى مسارات أخرى، أو لا يجدون أن التفسير المتاح يحيط بتجربتهم كلها. لا يعني ذلك أن الطب عجز أو أن السبب روحاني بالضرورة؛ فقد يكون التقييم غير مكتمل، أو العلاج في بدايته، أو المشكلة مركبة. لكنه يعني أن هناك حاجة إلى جهة تستطيع الاستماع إلى البعد الذي يراه الشخص روحانيًا من غير أن تنافس طبيبه، ومن غير أن تحول شعوره إلى شهادة قاطعة على وجود سبب غيبي.
في هذا السياق لم يكن تأسيس المركز - بحسب رؤيته - دعوة إلى إضافة معالج آخر إلى المجال، بل محاولة لتأسيس إطار. الإطار يحدد كيف تبدأ المقابلة، وما المعلومات التي تُجمع، ومتى تجب الإحالة، وما الذي يجوز قوله، وكيف تحفظ الخصوصية، وما معنى موافقة المراجع، وكيف تسجل النتيجة، وما الفرق بين العلاج الأساسي والخدمات المستقلة. هذه التفاصيل هي التي تحول الفكرة من مبادرة شخصية إلى هوية مركز يمكن مساءلتها وتطويرها.
ما لم يكن دافعًا للنشأة: لم يُنشأ المركز ليعلن أن كل مرض سببه السحر، أو أن كل خوف أثر للقرين، أو أن كل من يخالف رؤيته جاهل بالتجربة. وجود المركز مبرره - في تصوره - الحاجة إلى طريقة مسؤولة للتعامل مع من يأتون بهذه الأسئلة.