الصفحة 33 من 182
٤. أهم أقوال العلماء في القرين — الفصل الرابع: مفهوم القرين
٤. أهم أقوال العلماء في القرين
تعامل العلماء مع لفظ القرين بحسب سياق كل آية، ولم يفترضوا أن الكلمة تحمل معنى واحدًا في جميع المواضع. ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] نقل الطبري أقوالًا تجعل المقصود السائق أو المَلَك الموكل بالإنسان. وهذا يفرق بين قرين المشهد القضائي وبين القرين الشيطاني المصرح به في مواضع أخرى.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] بيّن الطبري أن المعنى هو جعل شيطان يلازم المعرض عن ذكر الرحمن ويغويه. هنا لا يحتاج المفسر إلى تخمين هوية القرين، لأن النص نفسه سماه شيطانًا وربط صحبته بالإعراض.
وفي قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] نقل الطبري اختلاف أهل التأويل؛ فقيل إن القرين شيطان، وقيل إنه صاحب من أهل الدنيا كان يثبط صاحبه عن الإيمان بالبعث. قيمة هذا الخلاف أنه يمنع بناء تعريف كلي من كلمة واحدة دون قراءة القصة التي وردت فيها.
وعند شرح حديث ابن مسعود، اتجه كثير من أهل العلم إلى أن القرين من الجن شيطان ملازم للإنسان، ووظيفته الوسوسة والحث على الشر، وأن سلامة النبي صلى الله عليه وسلم منه خصوصية أيده الله بها. وفي فهم «فأسلم» ظهر الخلاف السابق بين إسلام القرين وبين سلامة النبي من شره. ولذلك لا يصح تقديم تفسير واحد للفظ وكأنه إجماع لا خلاف فيه.
يمكن تلخيص المشترك في أقوال العلماء في ثلاثة أمور: ثبوت أصل القرين، ووجود قرين من الجن موكل بالإنسان وفق الحديث، ووضوح معنى القرين الشيطاني المضل في النصوص التي صرحت بذلك. أما مواضع الخلاف فتشمل تعيين المقصود بالقرين في بعض الآيات، وضبط «فأسلم»، وما يجوز تعميمه من خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم.
ويتخذ مركز مبصرون موقفًا مختلفًا عن الاتجاه الذي يحصر قرين الإنسان في صورة الشيطان الملعون الداعي إلى الشر. هذا الاختلاف مشروع بوصفه اجتهادًا معروضًا للنقاش، لكنه لا يُنسب إلى الطبري أو إلى جمهور العلماء، ولا يقال إن النص قد حسمه لمصلحة المركز.