الصفحة 32 من 182
٣. القرين في السنة النبوية — الفصل الرابع: مفهوم القرين
٣. القرين في السنة النبوية
أوضح نص في باب قرين الإنسان حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. فهو لا يكتفي بلفظ القرين العام، بل يصفه بأنه من الجن ويقرر عموم التوكيل للناس، ثم يذكر خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم:
حديث توكيل القرين لكل إنسان: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن». قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير». رواه مسلم (٢٨١٤)، وورد في مسند أحمد (٣٧٠٤).
يثبت الحديث أصلين مهمين لهذا الفصل: أن مع الإنسان قرينًا موكلًا به، وأن القرين المذكور من الجن. كما يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُترك لتأثير قرينه، بل أعانه الله عليه، فلا يأمره إلا بخير. وهذه حدود قوية وواضحة في النص، ويجب أن تظل منفصلة عن أي وصف زائد لم يرد فيه.
أما لفظ «فأسلم» فقد قرأه شُرّاح الحديث على وجهين مشهورين: أحدهما أن القرين أسلم وصار لا يأمر إلا بخير، والآخر أن المعنى: فأسلمُ أنا من شره. ويختار مركز مبصرون المعنى الأول، ويرى فيه إمكان إيمان القرين وتغير حاله. لكن الأمانة تقتضي إظهار الوجه الآخر، كما تقتضي التنبيه إلى أن الحديث يتحدث مباشرة عن خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يكفي وحده لتقرير جميع أحوال قرناء الناس.
وفي السنة نصوص تتعلق بوسوسة الشيطان وتأثيره، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم» في حديث صفية رضي الله عنها، رواه البخاري (٢٠٣٥) ومسلم (٢١٧٥). ومنها حديث وسوسة الشيطان في الصلاة حتى يلبّس على المصلي، رواه البخاري (١٢٢٢) ومسلم (٣٨٩). هذه النصوص تثبت باب التأثير والوسوسة، لكنها لا تسمي كل شيطان وارد فيها قرين الإنسان، ولذلك لا تُدمج آليًا في تعريف القرين.
والنتيجة أن السنة أخص من القرآن في بيان القرين الموكَّل بالإنسان من الجن، لكنها لا تقدم تفصيلًا عن شكله ومكانه وديانته في كل حالة، ولا عن امتلاكه طاقة أو نقل المشاعر والأحلام أو إمكان سحبه وحبسه. هذه الأسئلة تبقى خارج منطوق الحديث.
حد الاستدلال بالحديث: حديث ابن مسعود أصل في إثبات القرين من الجن، لكنه ليس نصًا في نظرية القرين المحبوس، ولا في كل الصفات التي ينسبها المركز إلى القرين.