الصفحة 31 من 182
٢. القرين في القرآن الكريم — الفصل الرابع: مفهوم القرين
٢. القرين في القرآن الكريم
وردت مادة القرين والقرناء في مواضع متعددة، وأكثر المواضع اتصالًا بموضوع الفصل تكشف أن المصاحبة قد تكون مصاحبة إضلال وسوء. ففي سورة النساء يصف القرآن الشيطان الذي يصاحب من ينفق رياءً ولا يؤمن بالله واليوم الآخر بأنه قرين سوء:
القرآن الكريم — سورة النساء، الآية ٣٨: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾
وفي سورة الزخرف ترتبط القرينـية بالإعراض عن ذكر الرحمن، ويصرح النص بأن الذي يُقيّض للمعرض شيطان، ثم يصور ندم الإنسان على هذه الصحبة يوم الحساب:
القرآن الكريم — سورة الزخرف، الآيتان ٣٦ و٣٨: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾
هاتان الآيتان صريحتان في قرين شيطاني مضل، لكنهما لا تقولان إن كل استعمال للفظ القرين لا بد أن يشير إلى الكائن نفسه أو إلى الوظيفة نفسها. ففي سورة ق يظهر اللفظ مرتين داخل مشهد الحساب؛ يقول أحد القرناء إن ما لديه حاضر، ثم ينفي قرين آخر أن يكون قد أطغى الإنسان. وقد حمل المفسرون اللفظ في الموضع الأول على المَلَك الموكل أو السائق، وحملوه في الموضع الآخر على الشيطان الذي يجادل عن نفسه، بحسب السياق:
القرآن الكريم — سورة ق، الآيتان ٢٣ و٢٧: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾
وفي سورة الصافات يحكي أحد أهل الجنة عن قرين كان يجادله في البعث: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١]. وقد اختلف أهل التفسير: أهو شيطان كان يوسوس له، أم صاحب من البشر كان يثبطه عن التصديق؟ ويؤكد هذا الخلاف مرة أخرى أن هوية القرين لا تُستخرج من اللفظ منفردًا.
وتضيف سورة فصلت صورة القرناء الذين يزينون لأصحابهم الماضي والمستقبل: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥]. الثابت هنا فعل التزيين والإضلال، أما التفاصيل المتعلقة بطبيعة كل قرين وطريقة ملازمته فليست مذكورة في الآية.
إذن يثبت القرآن أصل المصاحبة، ويعرض نماذج واضحة لقرين السوء والشيطان المضل، ويستخدم اللفظ في سياقات تحتمل أو تدل على مصاحبين آخرين. لكنه لا يقدم في هذه الآيات ملفًا تفصيليًا واحدًا لما يسميه الناس «قرين الإنسان»، ولا يتناول سحبه أو حبسه أو انتقال مشاعره أو ديانته الشخصية.
حصيلة القرآن: النص القرآني يثبت القرين والمصاحبة، ويصرح بوجود قرين شيطاني مضل في مواضع، لكنه لا يجعل كلمة «قرين» اسمًا حصريًا لمخلوق واحد في جميع الآيات، ولا يشرح التفاصيل التي تبني عليها رؤية مبصرون نظريتها.