تخطَّ إلى المحتوى

الصفحة 54 من 182

٨. عرش سبأ: قدرة عظيمة لكنها معلومة الهدف ومحدودة الزمن — الفصل السادس: عالم الجن بالقدر الذي يخدم المنهج

٨. عرش سبأ: قدرة عظيمة لكنها معلومة الهدف ومحدودة الزمن

بعد وصول خبر سبأ ومعرفة وجود الملكة وعرشها قال سليمان: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨]. فأجاب: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩]. يثبت النص لجني موصوف بالعفريت قوة وأمانة وقدرة على نقل العرش في زمن محدد.

ثم قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠]. وقد اختلف المفسرون في تعيين هذا الشخص، والنص لا يصرح بأنه من الجن. لذلك لا يجوز جعل الآية وحدها مقارنة مؤكدة بين جنيين؛ لكنها تقارن بين عرضين مختلفين في السرعة وتبين أن العلم الموهوب قد يرتبط بقدرة تفوق القوة المجردة.

ويرى مبصرون أن عرض العفريت لم يظهر إلا بعد أن صار الهدف معروفًا من خبر الهدهد، ويستنتج أن القدرة تحتاج إلى معلومة عن المكان والشيء المراد الوصول إليه. هذا استنتاج معقول داخل نظرية المركز، لكنه ليس وصفًا قرآنيًا لآلية النقل؛ فالآيات لا تقول كيف عرف العفريت الموقع ولا كيف نُقل العرش.

والخاتمة التي نطق بها سليمان تضبط معنى القدرة كلها: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠]. لم ينسب الحدث إلى استقلال مخلوق بقوته، ولم يجعله بابًا للغرور. وكل قدرة يذكرها مبصرون تظل مخلوقة محدودة، ولا تمنح صاحبها علمًا مطلقًا ولا حقًا في الطاعة.

العفريت وصاحب العلم | سورة النمل: ٣٩-٤٠: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾

٩. وفاة سليمان: النص الحاسم في نفي علم الغيب

إذا كانت قصة الهدهد تسمح باستنباط محدودية المعرفة، فإن وفاة سليمان عليه السلام تنص عليها صراحة. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤].

كان الجن يعملون بين يدي سليمان أعمالًا شاقة، ومع ذلك لم يدركوا موته حتى أكلت دابة الأرض عصاه فخر. فالقوة العملية والحضور القريب لم يمنحاهم معرفة حقيقة مستترة عن حواسهم. والآية لا تكتفي بحكاية الواقعة؛ بل تصرح بالنتيجة: لو كانوا يعلمون الغيب لما استمروا في العذاب.

وهذا النص معيار حاكم على كل ما ينسب إلى الجن. قد يشاهدون ما لا يشاهده الإنسان، وقد يصل بعضهم إلى مكان بسرعة، وقد ينقلون خبرًا اكتسبوه، لكن ذلك كله «معلومة» لا «علم غيب». ومن الخطأ أن يصف شخص خبرًا تلقاه من جني بأنه يقين لمجرد أن بعض أجزائه وافق الواقع.

ولذلك لا يسمح منهج مبصرون ببناء اتهام بالسحر أو الخيانة أو الجريمة على خبر منسوب إلى الجن. كما لا يقبل أن يتخذ الجني أو من يدعي مخاطبته مصدرًا لتحديد المستقبل أو كشف السرائر. قصة سليمان لا تقلل من قدرات الجن؛ إنها تضع القدرة في موضعها الصحيح تحت سقف العلم المحدود.

النص الصريح | سورة سبأ: ١٤: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾

تنبيه طبي: مركز مبصرون ليس جهة طبية أو نفسية، ولا يقدّم تشخيصًا ولا يطلب إيقاف أي دواء، ولا تُفسَّر الأعراض الجسدية أو النفسية روحانيًا تلقائيًا. عند وجود عرض شديد أو مستمر أو طارئ، راجع الطبيب أو خدمات الطوارئ أولًا. الحدود الطبية