الصفحة 53 من 182
٧. قصة الهدهد: المعلومة قد تأتي ممن لا يتوقعه الأقوى — الفصل السادس: عالم الجن بالقدر الذي يخدم المنهج
٧. قصة الهدهد: المعلومة قد تأتي ممن لا يتوقعه الأقوى
جمع الله لسليمان عليه السلام جنودًا من الجن والإنس والطير، قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧]. ومع هذا الجمع الواسع تفقد سليمان الطير فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠].
ثم جاء الهدهد فقال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢]، وأخبر عن الملكة والعرش وعبادة الشمس. والمشهد يقرر قاعدة بالغة الأهمية: قد يملك مخلوق صغير خبرًا لم يصل إلى نبي ملك في تلك اللحظة، لأن العلم بالواقعة ارتبط بالمشاهدة والوصول إلى مكانها، لا بمجرد القوة والمكانة.
ويلفت مركز مبصرون إلى أن السياق لم يروِ أن أحدًا من الجن المحيطين بسليمان أجابه عن مكان الهدهد أو سبق الهدهد بخبر سبأ. ويستدل المركز من هذا الصمت على محدودية علمهم. لكن الدقة تقتضي أن نقول إن القرآن لم يذكر جوابًا منهم، لا أنه نص على أن جميعهم سُئلوا فعجزوا؛ فالصمت في القصة قرينة يستأنس بها، وليس برهانًا منفردًا على جهل كل جني بالمكان.
والأقوى دلالة في المشهد قول الهدهد نفسه: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، ثم تحقق سليمان من خبره ولم يقبله بلا فحص: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]. فإذا كان نبي الله يتحقق من الخبر، فمن باب أولى ألا يقبل المركز خبرًا غيبيًا من إنسان أو جني بلا تحقق.
الخبر المحدد لا العلم المطلق | سورة النمل: ٢٠-٢٢: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾