الصفحة 52 من 182
٥. اختلاف الأديان مع وحدة التكليف — الفصل السادس: عالم الجن بالقدر الذي يخدم المنهج
٥. اختلاف الأديان مع وحدة التكليف
يقرر القرآن أن الجن مختلفون في الصلاح والانحراف، وأن منهم المسلمين ومنهم القاسطون. كما يحكي عن نفر منهم أنهم استمعوا القرآن ثم رجعوا إلى قومهم منذرين: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. وهذا يثبت قابلية التعلم والدعوة والاستجابة.
ويرى مبصرون أن اختلاف الطرائق والاختيار يسمح بأن توجد بين الجن أديان ومذاهب متعددة، وقد يصف أفرادًا - وفق تقديره - بأنهم مسلمون أو مسيحيون أو يهود أو بوذيون أو أصحاب معتقدات أخرى. ولا يلزم عند المركز أن يطابق دين القرين دين الإنسان. لكن الأسماء التفصيلية للأديان المنسوبة إلى قرين بعينه ليست منصوصة في الآيات، ولا يستطيع المركز التحقق منها تحققًا غيبيًا معصومًا.
ووحدة التكليف تمنع احتقار نوع أو تعظيمه لمجرد القوة. فالمعيار الديني هو الإيمان والطاعة والعدل، لا سرعة الحركة أو القدرة على التشكل. والجني القوي ليس أقرب إلى الله بسبب قوته، كما أن الجني الضعيف ليس أقل تكليفًا. وينطبق ذلك على القرين في تصور المركز: دينه وقراره لا يُقاسان بهيئته أو مكانة عائلته.
كما لا يُحمّل الإنسان دين قرينه أو ذنبه، ولا يُمنع القرين من التحرير - وفق رسالة مبصرون - بسبب دين ينسبه المركز إليه. فالتحرير عند المركز رفع لظلم الحبس ومقاومة للسحر، لا مكافأة عقدية يملك المعالج توزيعها.
الثابت والمضاف: الثابت: في الجن مسلمون وقاسطون وصالحون ودون ذلك، وهم مكلفون. والمضاف في رؤية مبصرون: تعيين ديانات تفصيلية لأفراد أو قرناء، وهو تقدير لا علم يقيني بالغيب.
٦. اختلاف القوة والقدرة والمعرفة
يستخدم الناس كلمات القوة والقدرة والعلم كأنها شيء واحد، بينما تفصل بينها النصوص. القوة مقدار ما يستطيع المخلوق حمله أو إنجازه. والقدرة قد تكون مهارة محددة كسرعة الحركة أو البناء أو الغوص. أما المعرفة فهي ما وصل إليه من خبر أو تعلمه أو شاهده. وقد يكون المخلوق قويًا في العمل، محدودًا في المعلومات.
أثبت القرآن لبعض الجن أعمالًا عظيمة في عهد سليمان عليه السلام: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٢]، وقال: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [سبأ: ١٢]. وهذه قدرات حقيقية، لكنها وقعت في ملك سليمان بتسخير وإذن خاصين من الله، وليست دليلًا على أن كل جني يملكها.
ويؤكد قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] أن القدرة ليست مطلقة. كما أن عجز الجن والإنس مجتمعين عن الإتيان بمثل القرآن [الإسراء: ٨٨] حد آخر لا تلغيه القوة المادية.
ومن ثم يرفض مبصرون مساواة «جني قوي» بـ«جني يعلم كل شيء». قد يملك نوع حركة أسرع أو بنية أقوى أو خبرة أوسع، لكنه لا يعرف الغيب ولا ما غاب عن خبرته. وهذا التفريق أساسي في تقييم أي خبر يزعم شخص أنه تلقاه من الجن.
ثلاثة مفاهيم: القوة ليست معرفة، والسرعة ليست علم غيب، والقدرة الخاصة لا تجعل صاحبها مطلق القدرة. كل قدرة مخلوقة محدودة بإذن الله وبما وصل إلى صاحبها من علم.