تخطَّ إلى المحتوى

الصفحة 51 من 182

٣. التنوع بين الجن في تصور المركز — الفصل السادس: عالم الجن بالقدر الذي يخدم المنهج

٣. التنوع بين الجن في تصور المركز

ينطلق مركز مبصرون من قوله تعالى على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١]. يدل اللفظ على التفرق في الطرائق والأحوال والمذاهب، ويثبت أن الجن ليسوا كتلة أخلاقية أو فكرية واحدة. ومن هذا الأصل يبني المركز تصورًا أوسع لتعدد الأنواع وطرق الحياة والقدرات.

ويقرّب مبصرون مقدار الاختلاف بمثال عالم الحشرات: النحلة والذبابة والنملة تندرج في الوصف العام للحشرات، لكن بينها فروق كبيرة في الغذاء والسكن والحركة والبناء الاجتماعي. ويقربه كذلك بعالم الحيوان: الأسد والقطة كلاهما حيوان، غير أن القوة والسلوك والبيئة والقدرة بينهما مختلفة. وعلى هذا القياس يرى المركز أن كلمة «الجن» تجمع أنواعًا قد يكون الفرق بينها واسعًا جدًا.

ووفق هذه الرؤية قد تختلف الأنواع في طريقة الأكل والشرب والحركة والسكن، وفي القوة والعمر والمعرفة والتنظيم، كما قد تختلف في مستوى العمران أو الحضارة. وقد يتشكل بعضها في جماعات بسيطة، بينما ينسب المركز إلى بعضها تنظيمات واسعة. هذه التفاصيل ليست تفسيرًا لازمًا لعبارة ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾؛ فالآية تثبت التعدد، أما تحويله إلى تصنيف بيولوجي أو حضاري كامل فهو اجتهاد مبصرون.

وينسحب التنوع في نظرية المركز على القرناء؛ فالقرين ليس عند مبصرون نسخة موحدة تتكرر مع كل إنسان. قد يختلف عن قرين آخر في القوة والعائلة والدين والشخصية والاستجابة، وقد يختلف عن الإنسان المقترن به في الدين والمكانة والصفات، مع وجود شبه عام يصفه المركز. ويبدو أدق أن نفهم «القرين» هنا بوصفه وظيفة اقتران، لا اسمًا لنوع واحد متطابق داخل الجن.

أصل التنوع | سورة الجن: ١١: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾

حد الاستدلال: الآية تثبت اختلاف الطرائق والأحوال، لكنها لا تقدم قائمة بأنواع الجن أو طعام كل نوع أو نظامه السياسي. أمثلة النحلة والذبابة والأسد والقطة تشرح تصور مبصرون ولا تقوم مقام الدليل النصي.

٤. ما الذي تضيفه السنة إلى معنى التنوع؟

ورد عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون». رواه الطبراني والحاكم وابن حبان، وصحح إسناده الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه أو حسنه عدد من أهل الحديث. ويقدم الحديث أصلًا لتفاوت الصور أو الأحوال وطرائق الحركة والإقامة.

ولا يلزم من العدد المذكور أن كل تفصيل تقترحه خبرة المركز صار ثابتًا؛ فالحديث نفسه لا يذكر حضارات ولا إمبراطوريات ولا أديان كل صنف، ولا يبين أن التصنيف مانع من التداخل أو التشكل. لذلك يُستخدم في الكتاب لتأكيد أصل التنوع، لا لبناء موسوعة تتجاوز ألفاظه.

وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن»، ثم قال في زادهم: «لكم كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم»، وقال: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم» [صحيح مسلم: ٤٥٠]. وفي صحيح البخاري ورد أن العظم والروثة من طعام الجن [البخاري: ٣٨٦٠].

تثبت هذه الأحاديث أن لبعض الجن طعامًا وأن لهم دواب، وأن فيهم وفودًا تستمع وتتعلم وتسأل. لكنها لا تثبت أن جميع أنواع الجن تأكل بالطريقة نفسها، بل يترك النص مساحة لا نعرفها. ويضع مبصرون في هذه المساحة فرضيته عن اختلاف المأكل والمشرب، مع وجوب عدم تقديمها كحقيقة حديثية.

حديث أصناف الجن: «الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون» [حديث أبي ثعلبة الخشني؛ رواه الطبراني والحاكم وابن حبان، وصحح إسناده جماعة].

تنبيه طبي: مركز مبصرون ليس جهة طبية أو نفسية، ولا يقدّم تشخيصًا ولا يطلب إيقاف أي دواء، ولا تُفسَّر الأعراض الجسدية أو النفسية روحانيًا تلقائيًا. عند وجود عرض شديد أو مستمر أو طارئ، راجع الطبيب أو خدمات الطوارئ أولًا. الحدود الطبية