تخطَّ إلى المحتوى

الصفحة 57 من 347

الفصل الرابع: مفهوم القرين (6/17)

وفي السنة نصوص تتعلق بوسوسة الشيطان وتأثيره، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم» في حديث صفية رضي الله عنها، رواه البخاري (٢٠٣٥) ومسلم (٢١٧٥). ومنها حديث وسوسة الشيطان في الصلاة حتى يلبّس على المصلي، رواه البخاري (١٢٢٢) ومسلم (٣٨٩). هذه النصوص تثبت باب التأثير والوسوسة، لكنها لا تسمي كل شيطان وارد فيها قرين الإنسان، ولذلك لا تُدمج آليًا في تعريف القرين.

والنتيجة أن السنة أخص من القرآن في بيان القرين الموكَّل بالإنسان من الجن، لكنها لا تقدم تفصيلًا عن شكله ومكانه وديانته في كل حالة، ولا عن امتلاكه طاقة أو نقل المشاعر والأحلام أو إمكان سحبه وحبسه. هذه الأسئلة تبقى خارج منطوق الحديث.

حد الاستدلال بالحديث: حديث ابن مسعود أصل في إثبات القرين من الجن، لكنه ليس نصًا في نظرية القرين المحبوس، ولا في كل الصفات التي ينسبها المركز إلى القرين.

٤. أهم أقوال العلماء في القرين

تعامل العلماء مع لفظ القرين بحسب سياق كل آية، ولم يفترضوا أن الكلمة تحمل معنى واحدًا في جميع المواضع. ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] نقل الطبري أقوالًا تجعل المقصود السائق أو المَلَك الموكل بالإنسان. وهذا يفرق بين قرين المشهد القضائي وبين القرين الشيطاني المصرح به في مواضع أخرى.

وفي تفسير قوله تعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] بيّن الطبري أن المعنى هو جعل شيطان يلازم المعرض عن ذكر الرحمن ويغويه. هنا لا يحتاج المفسر إلى تخمين هوية القرين، لأن النص نفسه سماه شيطانًا وربط صحبته بالإعراض.

نصّ الكتاب توعوي، وليس تشخيصًا ولا بديلًا عن الطبيب أو المختص النفسي. لا توقف دواءً ولا تؤجل علاجًا بسببه.