تخطَّ إلى المحتوى

الصفحة 186 من 347

الفصل العاشر: الاستدلالات الخاصة بالمركز (15/25)

وفاة سليمان | سورة سبأ: ١٤: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾

تقرر الآية أن موت سليمان لم ينكشف لهم حتى أكلت دابة الأرض منسأته فخر. ويشرح الطبري أن انكشاف الأمر أظهر بطلان دعوى علم الغيب؛ فقد لبثوا في العمل والعذاب لعدم علمهم بالموت. ولا يحتاج المعنى الأساسي إلى روايات تحدد مدة اللبث أو تفاصيل هيئة المكان؛ فالقرآن نفسه يذكر العلة والنتيجة.

ويستخدم مبصرون الآية لنقد كل خطاب يمنح الجن أو الشياطين علمًا محيطًا بالسرائر والمستقبل والأماكن. قد يعرف الجني شيئًا رآه أو سمعه أو نُقل إليه، وقد يختلط صدقه بكذبه، لكن ذلك علم مكتسب ومحدود، لا علم مستقل بالغيب. معرفة معلومة خفية عن إنسان لا تحول صاحبها إلى عالم بما غاب.

وتمنع الآية كذلك تضخيم العدو. السحر محرم وضرره ثابت في أصل النصوص، لكن تصوير أعوانه كأنهم يحيطون بكل شيء يمنحهم صفة لم تثبت ويضاعف خوف طالب العلاج. كل مخلوق واقع تحت علم الله وتقديره، وقدرته لا تساوي علمًا، وعلمه لا يخرج عن الحدود التي خلقه الله عليها.

ولا يعني نفي علم الغيب أن الجن لا يعلمون شيئًا غاب عن إنسان بعينه. خبر سبأ كان غائبًا عن سليمان في تلك اللحظة لكنه مشهود للهدهد الذي رآه؛ فالجهل النسبي غير الغيب المطلق. ويجب على الكتاب ألا يستخدم كلمة الغيب لكل معلومة سرية أو بعيدة، ثم يستنتج التناقض حين يعرفها مخلوق بطريق عادي.

نصّ الكتاب توعوي، وليس تشخيصًا ولا بديلًا عن الطبيب أو المختص النفسي. لا توقف دواءً ولا تؤجل علاجًا بسببه.