الصفحة 24 من 182
١. مراتب مصادر المعرفة — الفصل الثالث: الميثاق المنهجي والأخلاقي
١. مراتب مصادر المعرفة
تبدأ الأمانة العلمية من وضع كل معلومة في مرتبتها الصحيحة. فالعبارات التي تظهر في كتاب مبصرون ليست من نوع واحد: منها نص شرعي، ومنها فهم عالم، ومنها استدلال يربط بين مقدمات ونتيجة، ومنها اجتهاد خاص بالمركز، ومنها ملاحظة عملية أو شهادة صاحب حالة، ومنها سؤال لم يجد المركز له جوابًا. خلط هذه المستويات يجعل الرأي البشري يبدو مقدسًا، ويجعل التجربة الفردية تبدو حقيقة عامة.
المرتبة الأولى هي القرآن الكريم والسنة الصحيحة في حدود دلالة النص. يُنقل النص بدقة، ويُذكر موضعه، ولا تُضاف إليه تفاصيل لم يقلها. وثبوت أصل وجود الجن أو السحر أو القرين لا يعني أن كل تفسير لآلياته ثابت بالنص؛ فالمسافة بين الأصل والتفصيل يجب أن تبقى ظاهرة للقارئ.
المرتبة الثانية هي أقوال العلماء وتفسيراتهم. تُنسب الأقوال إلى أصحابها ومصادرها، ويُبيّن إن كان في المسألة اتفاق أو خلاف، ولا يُنتخب قول واحد ثم يُقدَّم كأنه القول الوحيد في التراث. وقول العالم له وزنه، لكنه ليس آية ولا حديثًا، وقد يفهم عالم النص على وجه يختلف فيه معه غيره.
المرتبة الثالثة هي الاستدلال: الطريقة التي تنتقل بها القراءة من النص أو الملاحظة إلى نتيجة. يجب أن تُعرض مقدمات الاستدلال بوضوح، وأن يعرف القارئ أين انتهى المنقول وأين بدأ التحليل. فالنتيجة لا تصبح نصًا شرعيًا لمجرد أنها انطلقت من نص، ولا تصبح لازمة إذا احتملت المقدمة أكثر من تفسير.
المرتبة الرابعة هي اجتهاد مركز مبصرون. وتشمل تصوراته عن طبيعة القرين، وانتقال المشاعر، وآلية السحب والحبس والتحرير، وما يرتبط بها من تفسير. هذه الأفكار تُكتب بعبارات مثل «يرى المركز» و«وفق تصور مبصرون»، وتظل قابلة للنقاش والتعديل، ولا يجوز رفعها إلى مرتبة ما ثبت في القرآن والسنة.
المرتبة الخامسة هي الخبرة العملية: ملاحظات العاملين وشهادات أصحاب الحالات وما يسجل قبل التدخل وبعده. الخبرة تساعد على صياغة فرضية وتحسين إجراء، لكنها لا تثبت وحدها سببًا غيبيًا أو علاقة طبية سببية. وكلما غاب التوثيق أو تزامنت عوامل أخرى، وجب أن يقل مقدار الجزم المستخرج من التجربة.
ثم تأتي المسائل المفتوحة، وهي مرتبة معرفية وليست فراغًا يجب ملؤه بأي جواب. إذا لم يرد نص، ولم تتوافر مادة كافية، أو تعارضت الملاحظات، تكون العبارة الصحيحة: «لا نعرف» أو «لم يتبين للمركز». القدرة على إبقاء السؤال مفتوحًا تحمي المنهج من صناعة يقين لا يملكه.
اختبار المصدر: قبل نشر أي عبارة يُسأل: ما نوعها؟ ما مصدرها؟ ما درجة ثبوتها؟ وما اللغة التي تليق بمرتبتها؟ فإذا تعذر الجواب، لا تُنشر بوصفها معرفة مكتملة.