الصفحة 39 من 347
الفصل الثالث: الميثاق المنهجي والأخلاقي (2/14)
قاعدة الميثاق: كل سلطة يكتسبها المركز من معرفة أو خبرة أو ثقة يقابلها واجب أكبر في التثبت، والوضوح، وحماية المراجع، وقبول المراجعة.
١. مراتب مصادر المعرفة
تبدأ الأمانة العلمية من وضع كل معلومة في مرتبتها الصحيحة. فالعبارات التي تظهر في كتاب مبصرون ليست من نوع واحد: منها نص شرعي، ومنها فهم عالم، ومنها استدلال يربط بين مقدمات ونتيجة، ومنها اجتهاد خاص بالمركز، ومنها ملاحظة عملية أو شهادة صاحب حالة، ومنها سؤال لم يجد المركز له جوابًا. خلط هذه المستويات يجعل الرأي البشري يبدو مقدسًا، ويجعل التجربة الفردية تبدو حقيقة عامة.
المرتبة الأولى هي القرآن الكريم والسنة الصحيحة في حدود دلالة النص. يُنقل النص بدقة، ويُذكر موضعه، ولا تُضاف إليه تفاصيل لم يقلها. وثبوت أصل وجود الجن أو السحر أو القرين لا يعني أن كل تفسير لآلياته ثابت بالنص؛ فالمسافة بين الأصل والتفصيل يجب أن تبقى ظاهرة للقارئ.
المرتبة الثانية هي أقوال العلماء وتفسيراتهم. تُنسب الأقوال إلى أصحابها ومصادرها، ويُبيّن إن كان في المسألة اتفاق أو خلاف، ولا يُنتخب قول واحد ثم يُقدَّم كأنه القول الوحيد في التراث. وقول العالم له وزنه، لكنه ليس آية ولا حديثًا، وقد يفهم عالم النص على وجه يختلف فيه معه غيره.
المرتبة الثالثة هي الاستدلال: الطريقة التي تنتقل بها القراءة من النص أو الملاحظة إلى نتيجة. يجب أن تُعرض مقدمات الاستدلال بوضوح، وأن يعرف القارئ أين انتهى المنقول وأين بدأ التحليل. فالنتيجة لا تصبح نصًا شرعيًا لمجرد أنها انطلقت من نص، ولا تصبح لازمة إذا احتملت المقدمة أكثر من تفسير.
نصّ الكتاب توعوي، وليس تشخيصًا ولا بديلًا عن الطبيب أو المختص النفسي. لا توقف دواءً ولا تؤجل علاجًا بسببه.