الصفحة 96 من 182
٢. أربعة أنواع من الاستدلال لا تتساوى — الفصل العاشر: الاستدلالات الخاصة بالمركز
٢. أربعة أنواع من الاستدلال لا تتساوى
النوع الأول دلالة العبارة: أن ينص الكلام على النتيجة أو على مقدمتها القريبة. مثال ذلك قوله تعالى في وفاة سليمان: ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾؛ فالآية نفسها تناقش علم الجن بالغيب. وهذا أقوى المواضع في الفصل.
والنوع الثاني دلالة المقابلة: أن يقابل السياق بين شيئين فيفهم الفارق من مجموع الآيات. في قصة موسى يقابل القرآن بين تخييل السحرة وبين وقوع الحق وبطلان ما صنعوا. هذا يسمح بالقول إن آية موسى لم تكن تخييلًا آخر من جنس فعلهم، لكنه لا يحدد كل علامة حسية أدركوا بها الفارق.
والنوع الثالث الاستدلال من ترتيب القصة. مجيء خبر سبأ على لسان الهدهد قبل أن يذكر تسخير من ينقل العرش يكشف أن وصول المعلومة سابق لاستخدام القدرة في هذا المسار. غير أن ترتيب السرد لا يثبت وحده أن صاحب القدرة كان عاجزًا عن الفعل قبل الخبر أو أنه لم يكن يعرف شيئًا؛ فقد يكون القرآن لم يذكر ذلك لأنه ليس مقصود القصة.
والنوع الرابع الاستدلال من السكوت: أن يُبنى الحكم على أن القصة لم تذكر جوابًا أو تفصيلًا. هذا أضعف الأنواع؛ لأن عدم الذكر لا يساوي دائمًا عدم الوقوع. فإذا لم يذكر النص أن أحدًا من الجن أجاب عن موضع الهدهد، صح وصف المشهد كما ورد، ولم يصح القفز إلى أن كل الجن كانوا حاضرين وسُئلوا وعجزوا.
ولهذا لا يستخدم مبصرون لفظ «دليل» بدرجة واحدة. قد يكون الشيء نصًا صريحًا، أو قرينة قوية، أو قراءة ممكنة، أو مجرد سؤال. والتمييز يمنع أن تتراكم احتمالات متتابعة ثم تُعرض النتيجة النهائية كأنها يقين ابتدأ من القرآن.
اختبار الانتقال: بعد كل نتيجة يسأل المحرر: هل قال النص هذا؟ أم يدل عليه بوضوح؟ أم يسمح به فقط؟ أم سكت عنه؟ الإجابة تحدد الصياغة التي يجوز نشرها.
٣. دراسة أولى: عصا موسى بين الحقيقة والتخييل
تقدم قصة المواجهة بين موسى عليه السلام وسحرة فرعون نموذجًا مركزًا للفرق بين صورة تراها العين وبين حقيقة الحدث. كان السحرة أهل الصنعة، واختاروا الإلقاء في مشهد عام، ثم جاء فعل موسى بأمر الله فقلب نتيجة المشهد، وتبعه سجودهم من فورهم. ولأن مركز مبصرون يريد الاستدلال بهذه القصة، يبدأ بالنص قبل محاولة تفسير العلامة التي عرف بها السحرة الفرق.
المواجهة كما وردت في سورة طه | الآيات ٦٥-٧٠: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَىٰ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَىٰ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾
وصف أثر سحرهم | سورة الأعراف: ١١٦: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾
وقوع الحق وسجود السحرة | سورة الأعراف: ١١٧-١٢٢: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾