الصفحة 98 من 347
الفصل السادس: عالم الجن بالقدر الذي يخدم المنهج (11/21)
ويرى مبصرون أن عرض العفريت لم يظهر إلا بعد أن صار الهدف معروفًا من خبر الهدهد، ويستنتج أن القدرة تحتاج إلى معلومة عن المكان والشيء المراد الوصول إليه. هذا استنتاج معقول داخل نظرية المركز، لكنه ليس وصفًا قرآنيًا لآلية النقل؛ فالآيات لا تقول كيف عرف العفريت الموقع ولا كيف نُقل العرش.
والخاتمة التي نطق بها سليمان تضبط معنى القدرة كلها: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠]. لم ينسب الحدث إلى استقلال مخلوق بقوته، ولم يجعله بابًا للغرور. وكل قدرة يذكرها مبصرون تظل مخلوقة محدودة، ولا تمنح صاحبها علمًا مطلقًا ولا حقًا في الطاعة.
العفريت وصاحب العلم | سورة النمل: ٣٩-٤٠: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾
٩. وفاة سليمان: النص الحاسم في نفي علم الغيب
إذا كانت قصة الهدهد تسمح باستنباط محدودية المعرفة، فإن وفاة سليمان عليه السلام تنص عليها صراحة. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤].
نصّ الكتاب توعوي، وليس تشخيصًا ولا بديلًا عن الطبيب أو المختص النفسي. لا توقف دواءً ولا تؤجل علاجًا بسببه.