تخطَّ إلى المحتوى

الصفحة 100 من 182

١٠. من «سننظر» إلى سياسة التحقق في المركز — الفصل العاشر: الاستدلالات الخاصة بالمركز

١٠. من «سننظر» إلى سياسة التحقق في المركز

تقدم كلمة ﴿سَنَنْظُرُ﴾ نموذجًا أخلاقيًا مهمًا. لم يُتهم الهدهد بالكذب لمجرد غيابه، ولم يُصدق لمجرد جزمه، بل طُلب سلطان مبين ثم اختُبر الخبر بخطوة عملية. وعلى مبصرون أن يتعامل مع الأخبار التي تصله بالطريقة نفسها: لا يبني عليها اتهامًا، ولا يطلب من طالب العلاج مواجهة شخص، ولا يحولها إلى حقيقة غيبية قبل التحقق الممكن.

ويبدأ التحقق بتفكيك الخبر. ما الجزء الذي يعرفه المراجع؟ وما الجزء الذي قاله المختص؟ وما الذي يمكن فحصه من وثيقة أو فحص صحي أو واقعة مستقلة؟ وما الذي لا يمكن اختباره؟ ثم تُسجل النتيجة قبل أن تتغير الذاكرة أو يعاد تأويل الكلام بعد ظهور معلومات جديدة.

كما يمنع المركز الأسئلة التي تستخرج من طالب العلاج المعلومة ثم تعاد إليه على أنها كشف. إذا قُدمت معلومة عامة، فلابد من تحديدها قبل سماع الإجابة. وإذا أخطأ التقدير سُجل الخطأ كما يسجل الصواب. ولا يكفي أن تصح بعض التفاصيل للحكم بأن المصدر يعلم كل ما خفي.

وهذه السياسة تنطبق على من يدعي قدرة خاصة داخل المركز أيضًا. المعرفة المفاجئة ليست بذاتها دليل صلاح أو إذن من الله، كما أن الخطأ لا يثبت السحر. يُفحص السلوك والمصدر والطريقة والنتيجة، ويرفض المركز الطلاسم والذبائح والعقود وادعاء تسخير الجن. والقدرة لا تمنح صاحبها سلطة على طالب العلاج أو حصانة من المساءلة.

سياسة خبر غير متحقق: يُحفظ الخبر في ملف الملاحظة، ولا يُبنى عليه اتهام أو قرار طبي أو قطيعة أسرية. وإذا تعذر التحقق قيل: لا نعلم، بدل تحويل الغموض إلى يقين.

١١. دراسة ثالثة: وفاة سليمان ونفي علم الجن بالغيب

تختلف آية وفاة سليمان عن الاستدلال من سكوت قصة الهدهد. هنا لا يبني القارئ النتيجة من غياب معلومة في السرد؛ بل يصرح القرآن بالعلاقة: لو كان الجن يعلمون الغيب لما استمروا في العذاب المهين بعد موته. ولذلك يكون نفي علم الجن بالغيب أصلًا نصيًا، لا نظرية خاصة بمبصرون.

وفاة سليمان | سورة سبأ: ١٤: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾

تقرر الآية أن موت سليمان لم ينكشف لهم حتى أكلت دابة الأرض منسأته فخر. ويشرح الطبري أن انكشاف الأمر أظهر بطلان دعوى علم الغيب؛ فقد لبثوا في العمل والعذاب لعدم علمهم بالموت. ولا يحتاج المعنى الأساسي إلى روايات تحدد مدة اللبث أو تفاصيل هيئة المكان؛ فالقرآن نفسه يذكر العلة والنتيجة.

ويستخدم مبصرون الآية لنقد كل خطاب يمنح الجن أو الشياطين علمًا محيطًا بالسرائر والمستقبل والأماكن. قد يعرف الجني شيئًا رآه أو سمعه أو نُقل إليه، وقد يختلط صدقه بكذبه، لكن ذلك علم مكتسب ومحدود، لا علم مستقل بالغيب. معرفة معلومة خفية عن إنسان لا تحول صاحبها إلى عالم بما غاب.

وتمنع الآية كذلك تضخيم العدو. السحر محرم وضرره ثابت في أصل النصوص، لكن تصوير أعوانه كأنهم يحيطون بكل شيء يمنحهم صفة لم تثبت ويضاعف خوف طالب العلاج. كل مخلوق واقع تحت علم الله وتقديره، وقدرته لا تساوي علمًا، وعلمه لا يخرج عن الحدود التي خلقه الله عليها.

ولا يعني نفي علم الغيب أن الجن لا يعلمون شيئًا غاب عن إنسان بعينه. خبر سبأ كان غائبًا عن سليمان في تلك اللحظة لكنه مشهود للهدهد الذي رآه؛ فالجهل النسبي غير الغيب المطلق. ويجب على الكتاب ألا يستخدم كلمة الغيب لكل معلومة سرية أو بعيدة، ثم يستنتج التناقض حين يعرفها مخلوق بطريق عادي.

نتيجة ثابتة وتطبيق منضبط: الثابت بالنص: الجن لا يعلمون الغيب. تطبيق مبصرون: لا يصدق ادعاء الإحاطة ولا يبني علاجه على مصدر يزعم معرفة كل خفي. أما كيفية وصول جني إلى معلومة جزئية فتُبحث حالة بحالة ولا يشرحها النص هنا.

تنبيه طبي: مركز مبصرون ليس جهة طبية أو نفسية، ولا يقدّم تشخيصًا ولا يطلب إيقاف أي دواء، ولا تُفسَّر الأعراض الجسدية أو النفسية روحانيًا تلقائيًا. عند وجود عرض شديد أو مستمر أو طارئ، راجع الطبيب أو خدمات الطوارئ أولًا. الحدود الطبية