الصفحة 101 من 182
١٢. الفرق بين الغيب والمعلومة الغائبة عن شخص — الفصل العاشر: الاستدلالات الخاصة بالمركز
١٢. الفرق بين الغيب والمعلومة الغائبة عن شخص
الغيب في هذا السياق ما غاب عن إدراك المخلوق ولم يصل إليه بسبب معتبر، وعلى رأسه ما استأثر الله بعلمه. أما المعلومة الغائبة عن فرد فقد تكون مشاهدة لغيره: موقع إنسان بعيد، أو كلام قيل في مجلس، أو خبر مدينة. لذلك لا يُستدل من معرفة معلومة شخصية على علم الغيب، كما لا يُستدل من جهلها على انعدام كل معرفة.
ويظهر هذا الفرق في القصتين معًا. الهدهد أحاط بخبر لأنه ذهب إلى سبأ وشاهد القوم، ثم نقل ما رأى. والجن العاملون لسليمان لم يدركوا موته مع قربهم منه حتى ظهرت علامة حسية. الأولى معرفة بالمشاهدة والنقل، والثانية مثال صريح على غياب علم الغيب. جمع المشهدين يمنع طرفين متقابلين: إنكار أي معرفة للجن، ومنحهم معرفة بلا حدود.
وفي عمل المركز تُصنف المعلومة بحسب طريقها كلما أمكن: شهادة المراجع، ملاحظة المختص، وثيقة، استنتاج، أو ادعاء غير قابل للتحقق. لا تُسمى المعلومة «غيبية» لمجرد أنها فاجأت السامع، ولا يقال إن صاحبها يعلم الغيب. وإذا لم يُعرف الطريق قيل إن الطريق مجهول، لا إن المصدر خارق بالضرورة.
والأهم أن معرفة بعض التفاصيل لا تبرر الطاعة. الساحر أو العراف قد يجمع معلومات من وسائل اجتماعية، أو من أسئلة ملتوية، أو من أشخاص قريبين، أو من تخمينات عامة؛ وقد يصيب ويخطئ. لذلك يبقى تحريم إتيان العراف قائمًا، ويبقى التحقق الدنيوي لازمًا، ولا تتحول الدهشة إلى تسليم.
عبارة دقيقة: «هذه معلومة لم يكن الشخص يعرفها» أضيق وأصدق من «هذا علم بالغيب». الأولى تصف النتيجة، والثانية تدعي طبيعة المصدر وتحتاج إلى دليل مستقل.
١٣. حدود الاستدلال بالقصص القرآني
القصص القرآني هداية وبيان، يعرض من الحدث ما يحقق مقصوده، ولا يلتزم تقديم تقرير فني عن كل حركة وسبب. ولهذا تكون التفاصيل المذكورة حجة بقدر دلالتها، أما الفراغات بين المشاهد فلا تملأ تلقائيًا بخبرة المركز أو بالموروث الشعبي.
والحد الأول هو مقصد السياق. قصة موسى تبين غلبة الحق وبطلان السحر وتصديق الرسالة، فلا يجوز تحويلها وحدها إلى علم بصري عن خصائص ظلال الجن. وقصة الهدهد تبين الخبر والدعوة وحكمة سليمان، فلا تُختزل في اختبار لقدرات الجن. وقصة وفاة سليمان تبطل دعوى علمهم بالغيب، ولا تشرح جميع طرق اكتسابهم للمعلومات.
والحد الثاني جمع الآيات المتصلة. سورة طه تذكر التخييل، والأعراف تذكر سحر الأعين ووقوع الحق، والشعراء تبرز التلقف وسجود السحرة. قراءة موضع واحد بمعزل عن البقية قد تفقد المقابلة التي يصنعها القرآن أو تدفع إلى زيادة ليست فيه.
والحد الثالث التمييز بين الإمكان والوقوع. قد يكون تفصيل ما ممكنًا في العقل، لكن إمكانه لا يثبت أنه وقع في القصة. وكون الفرضية لا تعارض نصًا لا يجعلها تفسيرًا صحيحًا. المطلوب دليل إيجابي بقدر قوة الادعاء.
والحد الرابع ألا تُستخرج من معجزة نبي طريقة علاجية أو قدرة بشرية عامة. عصا موسى آية من الله، وتسخير الجن لسليمان خصوصية منحها الله له. لا يجوز لشخص أن يشبه عمله بهما لمجرد أن النتيجة تبدو غير مألوفة، ولا أن يطلب ثقة الناس على هذا الأساس.
والحد الخامس أن القصة لا تشخص الأفراد. رؤية ظل أو فقده، أو ورود صورة ذهنية، أو معرفة خبر مفاجئ، أو الشعور بالخوف؛ لا يثبت حبس قرين ولا وجود ساحر. التشخيص الذي يمس حياة الناس يحتاج مسارًا مستقلًا، ويظل احترام الطب والعلاج النفسي وعدم الاتهام من أصول مبصرون.
قاعدة القصص: نأخذ من القصة ما ذكرته، ونستأنس بما دل عليه سياقها، ونسمي ما أضفناه اجتهادًا. ولا نجعل الفراغ السردي وعاءً لكل تفاصيل النظرية.